الــــــلّـــــه .. يا جنة هلي .. بقلم : يوسف الحمدان

يعتبر مسلسل « جنة هلي » لمؤلفته نوف المضف ومخرجه منير الزعبي ومنتجه التوليب للإنتاج الفني والتوزيع ، أحد أهم المسلسلات الدرامية التلفزيونية التي تم عرضها في فضائية الـ mbc خلال شهر رمضان 2020 ، وقد تسنى لي مشاهدة هذا المسلسل بعد بثه على نفس الفضائية خلال شهر يونيو من هذا العام ، وهي فرصة ثمينة حقا لمشاهدة عمل درامي مميز بما تعني الكلمة من معاني ودلالات من حيث السبك النصي للفكرة والسيناريو والحوار ، ومن حيث النسج الحريري البالغ الدقة للرؤية الإخراجية ، ومن حيث التجلي الأدائي اللافت والجاذب والمتقن لدى الممثلين ، روح هذا المسلسل وجوهره ، كما أن أهميته تكمن في أنه يأتي في وقت توشك العلاقات الأسرية والاجتماعية على أن تعلن تفككها المطلق والبراءة من كل قيمة إنسانية تدعوها للتمسك بالحياة بوصفها دعامة وركيزة استمرارنا فيها ، كما أنها تكمن في أن هذا المسلسل يأتي في ظل اشتداد لهب السعير الإجتماعي الذي لا يحفل بأي حلم يدعونه جنة أو إستقرار .

إتكأ المسلسل على عنوان تتشظى من خلاله دلالات عدة تتجاوز مفهومه المباشر والمتعارف عليه لدى عامة الناس  فـ « جنة هلي » تتسع دلالاتها لتشمل الحالة الحميمية بين أفراد العائلة الواحدة ، والأم بوصفها محور الألفة والحنان ولمّ الشمل لهذه العائلة ، والأب بوصفه ضمان استمرارية المسئولية الاجتماعية والاقتصادية ، والبيت بوصفه وطنا يسع ويحتوي جميع أفراد العائلة والمجتمع ، والموروث الاجتماعي بوصفه بوصلة الأمن والاستقرار لأفراد هذه العائلة والمجتمع ، ويعني كذلك البحث عن السعادة سواء في البيت أو من خلال الجلسات الاجتماعية او من خلال السفر .

هذه التعددية الخلاقة لـ « جنة هلي » هي التي منحت وأكسبت المسلسل وهجا إبداعيا دفعنا لأن نتسمر كل مساء أمام الشاشة ونحن ننتظر ما الذي سيبوح به أبطالها من جديد ومختلف عما سبق البوح به في مساء الأمس ؟ ولماذا يغزو هذا المسلسل بيوتنا وكما لو أنه حكاية كل أسرة فيها ؟ .
لعل أحد أهم الأسباب لهذا التواشج الحميمي مع هذا المسلسل يكمن في أن هذه الجنة لم تصغها المؤلفة المبدعة نوف المضف وفق بنى جاهزة محسومة نتائجها من أول جملة تنطق في المسلسل ككثير من مسلسلاتنا الخليجية ، ولم ترهن أمرها لأفكار يتداولها عامة الناس دون وقوف على ما يستحق انتقاءه منها ومعالجته دراميا ، ولم تذهب بفكرتها نحو استعارات نصية سبق طرقها في مسلسلات أخرى ، إنها في هذا المسلسل تمكنت من تحرير رؤيتها النصية من أثقال البيداغوجيا التعليمية المباشرة ، ومنحها روحا جمالية تنساب في نهر الخلق الإبداعي بحيوية فائقة ملؤها الحوار الذكي الرشيق الواعي والقدرة على صناعة الأحداث وتوجيه محركات دفاتها بتبصر واستيعاب لمكامن ضرورات تحولاتها وانعطافاتها وتناميها ، والمسك بخيوط العلاقات الدقيقة بين القيم الاجتماعية وانعكاساتها وتأثيراتها على السلوك العائلي والمجتمعي ، والجوس أو الغور عميقا في نقائض وتضادات البنى العائلية والمجتمعية من التئام وتفكك وحيرة وقلق وارتباك واضطراب وخوف وهلع وخيبات وانتكاسات وسقوط وانفلات وتهور وذلك من خلال قراءة فاحصة وشاخصة لواقع المجتمع الخليجي تحديدا .
إنه حوار الماء والنار في هذه الجنة ، سعيا إلى تحقيق مجتمع أسري متوازن في قيمه وعاداته وتقاليده ، مؤمن بضرورة تعايش وانسجام وتناغم الثقافات من خلال الحوار الحر ودون تزمت بين الموروث بجمال ونقاء قيمه والأفكار الليبرالية الحرة بسعة رؤيتها للحياة والمستقبل ، وقد وجدنا ذلك متجسدا وبوعي أدائي لافت وخلاق بين ركيزتي العائلة المحور في المسلسل ، أديبة الزوجة التي أدت دورها الفنانة الكبيرة سعاد عبدالله وعمران الزوج الذي أدى دوره الفنان المتألق إبراهيم الحربي ، هذا التعايش هو ما يؤكد الدور الذي ينبغي أن تلعبه التربية الحداثوية في مجتمعاتنا والتي شاهدنا انعكاساتها بوضوح شديد بين أفراد هذه العائلة ، فبالرغم من أن محور البيت الأم أديبة التي أدت دورها الفنانة سعاد عبدالله موجهة تربوية ناجحة في مجالها التربوي في المدرسة ، إلا أنها عانت الأمرين في تربيتها لأبنائها ، حيث الإبن الكبير عبدالناصر الذي قام بأداء دوره الفنان شهاب جوهر يعاني من الإدمان إلى درجة التفريط في القيام بواجبه العملي بمؤسسة والده والإهمال لأبنائه وزوجته ، وحيث الإبنة الصغرى مشارف التي قامت بأداء دورها الفنانة شهد ياسين والتي تعرضت لخيبات في علاقاتها العاطفية والزوجية بسبب تسرعها ، وحيث الحفيدة سلا التي قامت بأداء دورها الفنانة رولا أبوزيد تسوقها عواطفها القاصرة إلى سكة غير محمودة العواقب مع شاب متهور وهو خليفة الذي قام بأداء دوره الفنان مشاري المجيبل ، وحيث الحفيد الحارث الذي قام بأداء دوره الفنان عبدالرحمن الفهد والذي يعاني من إهمال والده له بعد وفاة والدته ، إضافة إلى مداراتها لزوجها عمران الذي تجعله بعض الإخفاقات التجارية في عمله أو عدم تقبله لإهمال ابنه عبدالناصر لأبنائه أو معرفته بتورط حفيدته سلا في علاقة عاطفية لا يحكمها وعي أو نضج ، تجعله شديد العصبية والتوتر والقلق ، فتضطر للجوء إلى تهدئة مزاجه بسبل إنسانية عدة تضمن الهدوء والاستقرار بين أفراد العائلة في البيت الكبير ، إضافة إلى هذه المسئولية تضطر الزوجة أديبة ومن باب المسئولية أيضا إلى التخفيف على شقيقتها نهاد التي قامت بأداء دورها الفنانة نور الكويتية من حمق وظلم وعصبية زوجها المتزمت اللعوب في الآن نفسه سامي والذي قام بدوره الفنان عبدالمحسن القفاص ، واحتوائها في بيتها وضمان زواجها ممن يستحقها مجسدا في شخصية الدبلوماسي أبوبراك الذي قام بأداء دوره الفنان عبدالعزيز صفر .
من هذا البيت الكبير ، من هذه العائلة الميسورة المركبة ، تنفتح أبواب العلاقات على عائلات أخرى تعكس مستويات اجتماعية وثقافية أخرى وتمتح منها وكما لو أنها تكمل المركب المجتمعي في تكويناته الثقافية والاجتماعية ، حيث عائلة بوخليفة وشبح القمع والضياع الذي يهيمن عليه جراء تهور الابن خليفة الذي لا يحفل ولا يهتم بأسرته وكل همه العيش ولو بالسرقة من قوت شقيقته العنود التي اختارت الفن والغناء طريقا لحياتها ، وحيث عائلة بريق التي كانت ضحية لأم اختارت مجال الأدب طريقا لحياتها فأهملت الابنة بريق ولم تسقها ولو بالضئيل من الحنان والعطف .

كل هذه العائلات تطمح أن تجد الجنة المفقودة ، التي لم تتنبه إليها إلا بعد أن استفحلت الأمور واشتدت وأصبحت على شفا من السقوط الكلي ، حيث أنه لا مناص من معالجة الأمور بالصبر وحسمها بالقرار الذي لا عودة ولا تردد بعده .
كل هذه الصراعات والحالات تجسدت وتجلت في رؤية إخراجية ذكية وعميقة لم تذهب إلى المبالغة في تدشين وخلق اللقطة واللحظة والموقف والتزمت جمالية البناء المشهدي لهذا المسلسل وفق إيقاع رؤيوي ناسج قادر على محاورة المشاهد بالقدر الذي هو قادر أيضا على استفزاز إمكانات الممثلين الأدائية والانتقال بها من حالة إلى أخرى .
وإذا كانت هناك ثمة ملاحظات فهي لا تتجاوز الإثنتين :
الأولى : كنت أتمنى ألا يلجأ عمران إلى المسدس لحسم أمر حفيدته سلا باغتياله أو تهديده لخليفة المتهور الذي ينوي الزواج منها ، فهي لا تعكس الثقافة الواعية التي يتمتع بها شخصه في حياته وعمله وبيته .
الثانية : كنت أتمنى أن يكون دور الإبن سطام أكثر عمقا وأكثر وضوحا ، خاصة في أسفاره أو في أسباب غموضه وانفعالاته المتهورة أحيانا .
ويحسب للمخرج المبدع منير الزعبي اختياره الدقيق والواعي لمؤدي ومؤديات أدوار هذا المسلسل أو لمن تعاون معه في هذا الاختيار ، فإذا وقفنا على دور الفنانة الكبيرة سعاد عبدالله في أدائها لدور أديبة ، فإننا سنكون أمام قامة فنية كبيرة ومؤثرة في مسرحنا وفي الدراما التلفزيونية الخليجية بشكل عام ، ويعتبر دورها في هذا المسلسل أحد أهم الأدوار الدرامية التي قدمتها الدراما الخليجية ، فهي فنانة تتكيء على خبرة أدائية غير عادية ، فنانة قادرة على تبهير وتتبيل الحوارات والمواقف بارتجالاتها العابرة الموظفة التي أزعم أنني شاهدتها ولمستها وأحسستها في هذا المسلسل ، وهي فنانة قادرة على اختيار نماذج متعددة في أدوارها تظل راسخة في رؤوسنا وذاكرتنا لفترة ليست بقصيرة ، وقد كانت في هذا المسلسل دينامو الجنة كلها وأهلها .

كما استوقفني وأبهرني في هذا المسلسل الفنان المتألق المتوقد إبراهيم الحربي في دور عمران زوج أديبة ، إذ كان دوره مركبا فعلا ، فهو الليبرالي المنفتح على ثقافات عدة وهو الزوج الحنون والصارم وصاحب المزاج اللهوي المحبب لدى زوجته وعائلته ، وقد كان متمكنا في كل حركة أو نأمة أو إشارة يؤديها أو تصدر عنه في شخصيته المتعددة المتحولة .
وهنا نلحظ مدى الاستفادة الحقيقية من الدراسة الأكاديمية التي تجلت بوضوح شديد لدى سعاد عبدالله وإبراهيم الحربي .
في هذا المسلسل استوقفني بقوة الحضور الباذخ والمؤثر للفنان الشاب شهاب جوهر الذي قام بأداء دور عبدالناصر ، هذا الدور الذي تنازعته حالات مرهقة فعلا ، بين الأب التائه والمضطرب ، المحب واللامبالي ، المدمن والمسئول ، العاطفي والحائر ، المكابر والمنهار ، وهو الإبن الذي ينحني أمام مواجهة والديه له وينصاع لأوامرهما دون تردد ، دور عرفني على شخصية تستحق الوقوف والتأمل كثيرا وطويلا .
وكان للفنانة نور الكويتية حضور الفاكهة في مسلسل جنة هلي ، وذلك من خلال أدائها لدور نهاد شقيقة أديبة ، فهي نموذج التفاؤل والتشبث بالحياة والأمل في الإنجاب بعيدا عن السن أو التفكير في الفشل الزوجي ، وكان دورها المتأرجح بين حالات عدة تتخللها السذاجة الطفلية البريئة سببا لحبنا وانجذابنا لها .
ويهمني هنا أن أشيد بدور الفنانة القديرة انتصار الشراح في دور أم خليفة ، الأم الصديقة الإنسانة المحاربة في كل الجبهات لإرضاء عائلة بوعبد الناصر وزوجته أديبة بسبب شطط ابنها خليفة وتجاوزه لحدود المعقول في العلاقات بين العائلتين ، وهي الأم الحائرة الخائفة على ابنها من جهة وعلى ابنتها من جهة أخرى ، هي الإسفنجة التي تمتص كل غضب أو عتب يصدر من هذا البيت أو من ذاك ، من هذه الشخصية أو من تلك ، هي أنموذج حقيقي للقلق في هذا المسلسل .
ومن الأدوار التي استوقفتني أيضا دور أوضاح الذي أدته الفنانة شيماء علي باقتدار وتمكن ، فهي الزوجة الشابة التي ملكت من والدتها الصبر والمكاشفة

، وهي الزوجة التي تعلي من شأن كرامتها إزاء انجراف زوجها نحو التسلق وتملق كبار المسئولين ، وهي ميزان العلاقة بين أختها مشارف وأسرتها .
ومن الأدوار التي استوقفتني أيضا دور الفنان مشاري المجيبل الذي تجسد في شخصية الشاب الإبن العاق المتهور الطامح للوصول إلى مكانة عليا وإن كان ثمنها السرقة والسيطرة والهيمنة على أقرب الناس لديه .
في هذا المسلسل استوقفني أيضا أداء الفنانة هند البلوشي في دورها العنود ، هذه الفنانة التي تضحي بما لديها من أجل شقيق ربما سيستتب أمره إذا انشغل بمال يتحصله بشكل شرعي ، لقد كانت تؤدي دورها دون انفعال أو صراخ إدراكا منها بأن عشقها للفن سيستمر ويتواصل إذا سلمت من عناد شقيقها .
ويهمني هنا أن أشيد بأغنية المسلسل المعبرة الرائعة المختزلة لكل أحداثه ، فتحية لمؤلفها مبدع الأغنية في خليجنا العربي الشاعر الأستاذ عبداللطيف البناي وملحنها الفنان أنور عبدالله ومؤديتها الفنانة دلال .
والتحية موصولة لكل من قام بأداء دوره في هذا المسلسل الرائع ، جنة هلي ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*