متى يعود خالد عبدالرحمن إلى زمن التسعينات؟ بقلم : محمد جراح

%d8%ae%d8%a7%d9%84%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ad%d9%85%d9%86

يمر كل فنان بمراحل ومنعطفات مهمة في حياته سواء على الصعيد الفني أو الشخصي، يكون لها انعكاس واضح على مسيرته إما تعصف به بعيداً أو تكون وقوده الحقيقي للمضي إلى الأمام، وعند استعراض مسيرة بعض نجوم الأغنية السعودية نجد أنهم منذ سنوات طويلة يكافحون وينحتون الصخر للحفاظ على المكانة التي وصلوا إليها ومسألة الحفاظ على القمة بالنسبة لهم صارت مسألة مصيرية تتطلب التطوير والجهد والعمل المضاعف، على النقيض من الصورة هناك فنانون آخرون يمرون بفتور سلبي ومؤذٍ لجمهورهم بعد اعتلائهم القمة، ويكون ذلك إما نابعاً من شعورهم بالقناعة المادية والجماهيرية التي وصلوا إليها، أو المسألة توقف طموح أو إحباط عند هذا الحد، وهذا الفتور يفسر أحياناً بأنه رغبة كامنة في الانزواء بعيداً عن الصخب وتمهيداً للتواري عن الأنظار، وما بين هذه وتلك يظل الجمهور مغلوباً على أمره أو حتى يخال لي بأنه يصاب بنوبات إحباط مشابهة كتلك التي تصيب فنانه.

أحد هؤلاء الفنانين النجم خالد عبدالرحمن الذي ما إن يظهر في إطلالة إعلامية إلا ويطارده السؤال الشهير :”متى يعود خالد التسعينات؟”، دون أن يجيب على هذا السؤال الصعب أو يضرب موعداً لتلك العودة التي تعطش لها جمهور يعيش اليوم على ماضيه أكثر من حاضره إذا ما اعتبرنا أن مسيرة أي فنان تتكون من ماضٍ وحاضر، وليست مرحلة واحدة ممتدة بتداعياتها صعوداً وهبوطاً، خالد (الخمسيني) الذي أسفر عن شيب رأسه حاسراً وكأن هذا الأبيض قد زاره فجأة أو كان حبيساً قرر إطلاق سراحه، بطبيعة الحال ليس هو خالد أواخر العشرينات أو الثلاثينات من عمره تلك الفترة الذهبية في مسيرته التي كان ملهماً فيها لجيل كامل تأثر وتابع أدق تفاصيله، وحتى أناقته كانت موضة جيل ومصدر إلهام.

صناعة اسم في ذاكرة الأغنية السعودية

خالد الظاهرة الفنية والأسطورة الحية في عيون محبيه قد يكون أحد أسرار اكتساحه للوسط الفني في تلك الفترة هو حالة الجدية والمثابرة التي كان يعيشها ليس للمنافسة فحسب بل كان هاجسه صناعة اسم لا يمر مرور العابرين على ذاكرة الأغنية السعودية، وكان له ما أراد، و في فترة من الفترات صار اسماً مهماً في قوائم متعهدي حفلات القاهرة وباريس وغيرها من المحافل ويرى جمهوره بأنه يجب أن يعود إلى ذلك المكان والمكانة.

خالد الذي أحبه الجمهور وتعلق به وناضل من أجله كثيراً وهتف له ملوحاً بـ”الأشمغة والعقل”: “أبو نايف.. أبو نايف”، هم اليوم يتسلل إليهم شعور مؤلم بأن خالد استكان إلى تلك الجماهيرية العريضة، و تشبع ولم يعد بذاك الحماس، فلا يهتم بتطوير موسيقاه ولا يترك صوته يمارس الركض على “السلم” بخفة حتى أصيب بالبدانة، وأصبح اليوم حتى في حفلاته جسداً بلا روح مؤدياً بلا نكهة أو لون، لا سيما وأن خالد يكرر ما أستطيع وصفه بـ”أخطر اعتراف فني” في أكثر من مقام بأنه لا يعطي الفن سوى (15%) من حياته.

تراجع في الإحساس

السواد الأعظم من جمهور خالد يرى أيضاً بأنه منذ دخول الألفية، وتحديداً من بعد ألبوم “يا هاجري” عام (2001) شهد إحساس أبو نايف تراجعاً كبيراً، وإن كان في ذلك قسوة كون خالد في هذه الفترة ليس هو خالد التسعينات، ولكنه قدم أعمالاً من الإنصاف الإشادة بها.

جزء من جمهور خالد العاطفي جداً يؤمن بأن خالداً قدم مهر هذا الحب السرمدي، ولا يزال هذا الجمهور الذي لم “يقوى الهجر” يسمع و يتنفس في يومياته “صارحيني” و”ياشوق” و”عيني أنا بعينها” و”ودي تشوف الهم” ويحفظ النوتة القديمة عن ظهر قلب.

هذا الجمهور الذي ينتظر “العطاء” من خالد توقف عنده الزمن منذ عقد أو أكثر وبعضهم يهيئ لنفسه أن خالد الذي كتب ولحن وغنى “خذ ماتبي” رحل ولا يشبه خالد الذي قدم في (2012) أغنية “ست الستات” كلمات ولحناً وغناء.

الاعتزال

ومؤخراً كشف الفنان علي عبدالستار في حوار مع الزميل محمد الخميسي أنه في أواخر التسعينات فترة الشغف والنشوة استطاع أن يثني خالد عبدالرحمن عن الاعتزال، ووجه له الدعوة لإقامة حفلة في قطر ليشتت قراره، يقول علي عبدالستار: “خالد تفاجأ بأن المسرح امتلأ بـ (5) آلاف في الداخل ومثل هذا العدد بالخارج، لدرجة أن الجمهور كسر الأسوار، وبعدها قلت له هل من المعقول أن فنانا يمتلك هذا الحب والجمهور يعتزل؟!.. فأعطاني أغنية “يتيمة” مكافأة على إهدائي له الحفلة”.

خالد نفسه يحن إلى ماضيه وهو في هذا العمر ولا أبلغ من ذلك المقطع الذي حمل فيه العود وقد اشتعل رأسه شيباً ليعزف أغنية “وش تبين ..بخفايا روح مجروح الزمن” وهذه الأغنية من ألحانه وكلماته أطلقها قبل حوالي عقدين من الزمن، انسجامه في الأداء وتعمده الظهور بهذه الهيئة وانفعاله التراجيدي وهو يسأل:
وش تبين.. ما بقى للحب ما يسوى الثمن؟
اتركيه اللي خفى بنفسي ومات
لي جسد يا بنت فارقته الحياة

لأول وهلة تشعر هنا بأن خالد يستدعي الماضي لينتقم منه بطريقته، وكأنه يعيش لحظة تطهير نفسي عميق أراد فيها الانتصار لنفسه، لا تحتاج هذه اللحظة سوى الصدق بلا “ميك آب” ولا “رتوش” أو بروتوكولات عشاق، هذا المقطع لقي رواجاً بين “الخالديين” اتفقوا فيه على أن الإحساس هو المفردة المفقودة بين قاموس خالد القديم والحديث.

بعد كل هذا لا يزال يحوم حول رأسي رأي من عاشق لفن خالد رماه عليّ قبل سنوات، ورحل، يقول: “مشكلة خالد عبدالرحمن أنه لم يعش مرحلة التدرج في الوسط الفني حتى يبلغ القمة، مشكلته الحقيقية تكمن أنه ولد أسطورة وشب عن الطوق مبكراً.. عاش المجد من أقصاه إلى أقصاه، خلّد نفسه ثم سيأتيه وقت للتنحي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*